لايفهم المرء لماذا لاتشتغل آليات السوق في المغرب وعلى رأسها آلية العرض والطلب، حين يتعلق الأمر بتراجع الطلب علي السكن أو ركود في سوق العقار فيما تواصل أثمنة الشقق التحليق عاليا وبعيدا عن القدرات الشرائية والادخارية الحقيقية للأسر المغربية. فالسوق المغربي له منطق آخر، حينما يتعلق الأمر يتخفيض الأسعار، مثلما حدث في سوق المحروقات..
لاتخفى على المسؤولين الحكوميين أهمية قطاع السكن في تنشيط دواليب الاقتصاد الوطني في ظل الشغف الكبير الذي استبد بالأسر المغربية في سعيها لتملك قبر الحياة مهما كلف الثمن. حمى التملك هاته رفعت حجم الخصاص في السكن بالمغرب إلى قرابة 1,5 مليون شقة. رقــم بات يلــوكه لوبــي العــقار لتغذية توقعاته وتبــرير الارتــفاع المسجل في أثمنة الشقق السكنية رغـم ركــود المــبيعات. . هذا الطلب الافتراضي على السكن يخفي واقع أزمة العقار في المغرب، حيث يستغله المنعشون العقاريون في الإبقاء على مستويات غير مسبوقة وصلتها أثمنة الشقق السكنية بمختلف أصنافها، وهوامش أرباح خيالية لاتبررها مقاييس الجودة المتعارف عليها مهنيا، على الرغم من ركود المبيعات الذي يطبع السوق المغربي منذ عدة شهور. وتستفيد منه أيضا البنوك التي حققت لعدة سنوات نموا غير مسبوق لقروضها علي المدي البعيد، في الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة مقارنة بما تشهده أسعار الفائدة في باقي الدول التي ذب فيها ركود العقار . فالأبناك، التي سجلت خلال السنة الماضية رقما «تاريخيا» في قروض العقار ب150 مليار درهم، بعدما كان هذا الرقم لايتعدى قبل ثلاث سنوات 54 مليار درهم، تسعى إلى رفع مردوديتها من قروض السكن دون أدنى مخاطرة، سيرا على قاعدة «المال الجبان» وذلك في انتظار أن تتضح الرؤية وتعود دينامية السوق. الدولة طرف ثالث يستفيد من الطلب المرتفع على العقار في زيادة مداخيله الضريبية المباشرة وغير المباشرة، بعدما عمل على توسيع قاعدة الطلب دون أن تفلح السلطات الوصية على القطاع في تقنين السوق وضمان اشتغال آلياته بصورة شفافة. فقد تضخم سوق العقار منذ بضع سنوات بولوج شرائح الدخل المحدود التي لاتتوفر على ادخار كاف لامتلاك مسكن بسيط دون المرور عبر مسالك الاقتراض البنكي. جميع الدول التي عاشت ركودا في سوق العقار عمدت إلى تخفيض أسعار الفائدة لتحفيز الطلب لكن في المغرب، والعكس هو الذي حصل عندنا حيث ارتفع سعر الفائدة المرجعي لبنك المغرب و حفز ارتفاع أسعار الفائدة البنكية قبل نهاية السنة الماضية . لكن المستهلك أو المقتني للسكن يبقى محور دينامية السوق والفاعل الأساسي وإن تعطلت آليات السوق أو تأخرت في إنجاز عملية التصحيح، في ظل تآكل القدرات الادخارية للأسر المغربية بفعل توالي الزيادات في أسعار المواد الأساسية على مدى السنة الماضية وما تؤشر إليه بداية السنة الحالية من استمرار غلاء المواد والخدمات الأساسية، رغم المنحى التنازلي الذي تشهده المواد الغذائية والنفط في السوق الدولي. طالما أن الأجور لن ترتفع إلى مستوى ماوصلت إليه أسعار المسكن في المغرب وأن أسعار الفائدة البنكية مرتفعة، فإن عقارات السكن ستنزل من أبراجها العالية لتعانق الطلب الفعلي أزمة قد تعصف بماحصله القطاع من مكاسب في السنوات الأخيرة.
| < Préc | Suivant > |
|---|
























