من الصدف الغريبة أن تقترن السياسة بالفن ويضرب لهما القدر موعدا دون سابق إنذار، ورب صدفة خير من ألف معاد.
في الوقت الذي كثر اللغط واشتدت الانتقادات ضد القائمين على الشأن العام في العاصمة الاقتصادية، على إثر انكشاف هشاشة البنية التحتية للمدينة، بسبب الأمطار الأخيرة، وتهالك المرافق العمومية فيها، وانتشار البناء العشوائي (فضيحة الهراويين) وتردي الوضع الأمني (ارتفاع نسبة الجريمة)، تزامن كل ذلك مع إخراج فيلم أثار بدوره ضجة غير مسبوقة، ويتعلق الأمر بفيلم "كزا نيكرا"، أي "الدار الكحلة"، لمخرجه، نور الدين الخماري.
تكشف الكلمات والعبارات الأولى في الفيلم وضاعة المستوى الأخلاقي لأبطال القصة وانتمائهم للطبقات، التي لا تخضع لأي وازع إنساني أو أخلاقي أو ديني، ولو استعملت الجرأة بالدرجة ذاتها لكشف الغطاء عن بشاعة ووضاعة المسؤولين، الذين فشلوا في تدبير شؤون المدينة، لكان للجمهور الكازاوي موعدا مع فيلم آخر، أبطاله يسيرون في السيارات الفارهة، ويحتلون مكاتب فخمة ويديرون أعمالا خاصة بهواتفهم المحمولة، التي قد لا تكون خطوطها، سوى خطوطا عمومية، أي من تمويل دافعي الضرائب، ولا يهمهم إن غرقت الأحياء، أو انهارت البيوت، أو سقطت الأعمدة الكهربائية وانطفأ الضوء عن كل المدينة وتحولت البيضاء إلى "كحلة".
حول هؤلاء المسؤولين يدور فيلم آخر في الخفاء، فهم مخرجون حقيقيون لقصص يومية واقعية أبطالها أشخاص حقيقيون، يصطفون في انتظار الحافلات المهترئة، ويعصرون أجسامهم عند أبوابها، وبعضهم يضطر لجر سيارته بـ"الديباناج" لإخراجها من حفرة في الشارع، ونساء يتسولن بصبية حفاة عراة، وآخرون يكشفون عاهات في أجسامهم لـ"التسوق" بها، وأطفال يتسكعون ليل نهار، ماسكين علب بلاستيكية سوداء في أياديهم لا تفارق أنوفهم إلا عندما يريدون أن يتسولوا، أو يتعاركون في ما بينهم، أو عندما تنقضي المادة المخدرة، وترمقهم عين المارة في كل مكان من أنحاء المدينة.
وبين حي وحي لا بد أن تمر بسوق متجول بعشرات الباعة، منهم الواقف والجالس، ومنهم من يجر حمارا يجر عربة، ومنهم من تجره العربة، ولا بد أن تسمع أصواتا مختلفة وأنواعا للسلع والخضر والمشروبات والسجائر والأثمان، وتشم من الروائح ما يعجز أنفك عن تمييزه أو تصنيفه، علاوة على زحمة السير سواء بالنسبة للسيارات أو الراجلين، فالمدينة تحولت منذ مدة إلى ورش مفتوح، مفتوح على كل الاحتمالات.
المشهد الظاهر لا يخفي، أيضا، مشهدا كان من المفروض أن يجري بعيدا عن الأعين، فاللصوص يعترضون ضحاياهم، في واضحة النهار، وأمام أعين المارة، بل أصبحت العصابات تهاجم الوكالات البنكية في ساعات الذروة، وتختطف الحافلات بركابها، وتقتحم المتاجر، و"على عينك يا بن عدي".
حتى المومسات لا ينتظرن الليل للخروج، بل تشاهدهن في واضحة النهار، على اختلاف الأشكال والأعمار وبمختلف الموضات، ولا يضايقهن في بعض الأماكن المشهورة، سوى الشواذ، الذين أخذوا بدورهم مشهدا متقدما خلال السنوات الأخيرة، وأصبحوا ينافسوهن بامتياز في سوق الدعارة، فالخفافيش في الدارالبيضاء تطير حتى في النهار، والضوء إن كانت بقية من ضوء في المدينة لا يستطيع أن يطردها.
ثمة مشهدا آخر لا يغرب عن بالك وأنت تزور البيضاء، فهي مدينة المتناقضات، والعمران فيها مزيج بين فلات فاخرة مسيجة، وعمارات شاهقة ترفع رأسها إلى السماء، مثل زرافات جميلة، لكنها مغروسة في صحراء من البراريك والأحياء العشوائية، ما يجعل منظر المدينة من الجو أشبه بلوحة صادرة عن دار للمجانين، اشتركوا في رسمها بألوان مختلفة، وخطوط متضاربة، ومسالك معقدة، وأشكال لا تعبر إلا عن عقلية صانعيها.
رحم الله من قال إن "كازا كبرات بلا بلان"، فقبل نحو خمسة عقود كان البيضاويون يسبون مدينتهم قائلين "ماعندها بيبان"، واليوم يتساءل سكانها، من أي أبواب دخل المسؤولون على المدينة؟
| < Préc | Suivant > |
|---|
























