
بدو الرياضة المغربية، اليوم، أشبه بجبل جليدي لا يظهر إلا ثلثه، أما الثلثان الآخران فلا يعلم سرهما إلا الراسخون في علم هذا المجال الفاقد للمناعة والتتويج.
فخلال السنوات الماضية، نجحت فيروسات عدة في اختراق جسم الرياضة الوطنية، وظاهرة تعاطي المنشطات واحدة من هذه الفيروسات، التي أسقطت الكثير من أوراق التوت عن عورة هذا المجال، رغم أن بعض الحالمين مازالوا يثقون في مناعته، لكنها ثقة، يراها البعض الآخر، عمياء تجهل أو تتجاهل كل الفواتير، التي باتت تدفعها هذه الرياضة جراء التسيير المختل.
للمنشطات حكاية طويلة مع الرياضة الوطنية، لكنها لم تطف على سطح الأحداث، إلا بعد كشف تحليل العينة الثانية من بول اللاعب عبد الواحد عبد الصمد، مدافع فريق الرجاء البيضاوي، آنذاك، والمدافع الحالي للدفاع الحسني الجديدي، وجود مادة "التتراهيدرو كامانوفيل"، وهي من المواد المحظورة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، وكذا عندما أوقفت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خمسة لاعبين من صفوف المنتخب الأولمبي مدة ستة أشهر، بسبب ثبوت تناولهم مواد محظورة، بعد إجراء اختبارات للكشف عن المنشطات.
وشوهد عدد من لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم يرتادون المقاهي الخاصة بالشيشة، دون أن يراعوا مشاعر الجماهير، التي كانت تنظر لهم باستغراب ودهشة، علما أن بعض هؤلاء اللاعبين مسجلون في كشوفات المحترفين.
وشريط الفيديو، الذي تناقلته مواقع عديدة على شبكة الأنترنيت، ويتضمن جلسة حميمية لخمسة لاعبين دوليين يدافعون عن قميص أسود الأطلس (نادر المياغري، وبدر القادوري، وعبد الكريم القيسي، ويوسف السفري، وبوشعيب المباركي) في إحدى المقاهي الباريسية، تخللتها حصص من "شرب" الشيشة على إيقاع موسيقى صاخبة، وشرب عصير خال من الكحول، حسب تعليق المدافع بدر القادوري، اعتبر إعلانا صريحا على تفشي ظاهرة تعاطي المنشطات في صفوف اللاعبين المغاربة.
وعاينت عددا من جلسات لاعبين بالبطولة الوطنية، تضمنتها "وجبات" من الشيشة وما جاورها، واعتبر بعضهم أن الشيشة أصبحت شيئا بديهيا خلال الجلسات الحميمية مع الأصدقاء، سيما أنها لا تؤثر على صحة الرياضيين، حسب أحد اللاعبين، قبل أن يؤكد أن "بعض اللاعبين أصبحوا مدمنين على الشيشة بشكل جنوني، لدرجة أنه قبل أي حصة تدريبية، لا بد لهم أن يتعاطوها".
وكشف لاعب آخر، يشغل مركز خط وسط الميدان، رفض الكشف عن هويته، أن هناك اجتهادات في أوساط "مجتمع" اللاعبين، للبحث عن بدائل للعقاقير المنشطة بأقل المضاعفات الممكنة، مضيفا في السياق نفسه أن بعض اللاعبين يلجأون إلى المزج بين حبات "بيروكا" و"سيبردين"، أحد الفيتامينات، التي تباع بشكل عاد في الصيدليات، في كوب من القهوة السوداء، وشربه قبل موعد المباراة الرسمية بحوالي ثلاث ساعات تقريبا.
وأوضح المصدر ذاته، الذي اعترف أنه مدمن على "شرب" الشيشة (المعسل بالعنب)، أن تعاطي لاعبي البطولة الوطنية لبعض المواد المنشطة، ينقسم إلى قسمين، الفئة الأولى تستعمل خليطا مكونا من صنف الحشيش و"المعجون" أو القنب الهندي "الكيف"، كما تستعمل ما يعرف بـ "القرقوبي"، لكن هذا المفعول له عواقب وخيمة في المستقبل القريب على صحة الرياضي، يقول مصدرنا.
أما الفئة الثانية، حسب المصدر دائما، فإنها تستعمل بعض المواد المنشطة دون علم بخطورة عواقبها، ومن بين هذه المواد مشروبات الطاقة، التي يباع بعضها في الصيدليات، والمحلات التجارية (ريدبول)، وأخرى تباع في المتاجر المختصة لذلك، التي أصبحت منتشرة في كل المدن الكبرى.
وتحدث مصدرنا عن وجود إمدادات من العقاقير المنشطة تباع علنا في السوق السوداء، وهي مخصصة لممارسي رياضة كمال الأجسام، وبعض لاعبي كرة القدم لا يترددون في استعمال بعضها، بعد أن اقتنعوا بفاعليتها، موضحا "هذه المواد مصدرها من الغرب، وتدخل من المدن الشمالية للمملكة، رغم أن البعض منها تجاوزت مدة صلاحيته"، وهو ما أكده طبيب الرجاء، محمد عتيق.
وأكد المصدر ذاته أن هناك لاعبين يستعملون بعض المسكنات للألم، رغم أنهم لا يعانون من أية إصابة للاستفادة من المواد المنشطة المتوفرة في ذلك المسكن، مبرزا "من الصعب الكشف عن المواد المحظورة في صفوف لاعبي البطولة الوطنية، في ظل غياب المراقبة المستمرة للاعبين. ومادمنا نمارس في بطولة تميل أكثر إلى نظام الهواية، ليس من الطبيعي أن نتحدث عن أشياء مرتبطة بالنظام نفسه، فعندما يستيقظ المشرفون على كرتنا الوطنية لتحسين صورة الكرة المغربية، التي نخرها سوء التسيير، آنذاك، يمكن أن نحارب كل ما هو خارج عن نطاق الرياضة".
وختم مصدرنا "الجامعة ووزارة الشباب والرياضة لا يملكان الأدوات اللازمة للكشف عن الحالات المتورطة في تعاطي المواد المحظورة، كما أنهما يفتقران إلى إطار قانوني للتعامل مع هذه الحالات".
المعجون والشيشة... فصائل المنشطات
يرى الباحث نديم المصري، في كتاب أصدره سنة 2001، تحت عنوان "الرياضة والتغذية" عن دار الفكر بدمشق، أن الكثير من الرياضيين من الجنسين، خاصة في الغرب، يلجأون إلى استعمال المنشطات، لأنها حسب رأيهم، الطريق الأفضل للبطولة، فمنها ما يزيد الكتلة العضلية، ويرفع القدرة البدنية، ويِؤخر التعب، ويزيد في سرعة الرياضي في المسابقات.
وحدد نديم المصري ثلاث مواد منشطة، تعد الأكثر انتشارا في صفوف الرياضيين العرب، وهي مواد أكدت التقارير الطبية حولها أنها توجد عند الرياضيين المغاربة، الذين جرى ضبطهم بتعاطي المنشطات، ومن بينهم العداء العالمي إبراهيم بولامي، والعداء عادل الكوش، بطل العالم للشباب سابقا في سباق 1500 متر.
وأبرزت تلك التقارير الطبية أن بعض تلك المواد، توجد فيها مواد منشطة، تشبه تلك التي ضبطت في أجسام اللاعبين الأولمبيين الخمسة، الذين جرى توقيفهم من قبل جامعة كرة القدم.
وحسب نديم المصري، فإن ثلاث مواد منشطة منتشرة بشكل كبير، وهي الأريثروبويتين، المعروفة باسم الإيبو، وهو عبارة عن هرمون تنتجه الكلية بشكل طبيعي، وينظم إنتاج كريات الدم الحمراء، التي تنقل الأوكسجين إلى جميع أنحاء الجسم، وكمثال بسيط على قدرة هذا الهرمون الطبيعي في تحسين أداء الرياضي، فإنه يمكن لعداء المارطون ربح عشر دقائق بالمقارنة مع توقيته العادي.
أما المنشط الثاني، فهو حارق الشحوم مثل الأندرين، الذي يستعمل لدعم الطاقة، وزيادة القدرة وتحسين الكفاءة، والمادة الثالثة هي التيرويدات البناءة، وهي مشتقات صنيعة الهرمون الذكري التستوسترون، ويستعملها الرياضيون من أجل بناء ونمو الكتلة العضلية، وتحسين الأداء الرياضي.
وتعرف اللجنة الأولمبية الدولية المنشطات بأنها، كل مادة أو طريقة فيزيائية أو صناعية تحظرها اللجنة، وعند إثبات تعاطيها من قبل الرياضيين قبل أو أثناء المنافسات يعاقب عليها حسب لائحة اللجنة، وتشمل ما يأتي:
1- العقاقير وتشمل "DURGS "
- المنبهة للجهاز العصبي المركزي " stimulants "
- المهدئة للجهاز العصبي المركزي " Narcotics "
- العقاقير التي ترفع كفاءة الدورة الدموية والجهاز الدوري " B-Blockers "
- الهرمونات البنائية " Anabolic steroids "
- الهرمونات الببتيدية " Peptide Hormon "
- المدررات "Diuretics "
2- المنشطات الصناعية
- التنبيه الكهربائي للعضلات " Stimulation Muscular "
- التنشيط بالدم " Blood Doping "
3- مجاميع دوائية ذات استخدامات محددة
جامعة الكرة خارج التغطية
كشف محمد عتيق، طبيب فريق الرجاء البيضاوي لكرة القدم أن ظاهرتي المعجون والشيشة أصبحتا متفشيتين في الملاعب الوطنية بشكل عاد، وقال إن غياب مراقبة من قبل جامعة كرة القدم، يجعل انتشار الظاهرة في صفوف اللاعبين سريعة.
وحمل محمد عتيق مسؤولية انتشار ظاهرة تعاطي ما يعرف بالمعجون والشيشة إلى وزارة الشباب والرياضة، والجامعات الوطنية، مؤكدا أن انتشارها "ناتج عن غياب المراقبة الفعلية من قبل وزارة الشباب والرياضة، والجامعات الرياضية، اللذين يتحملان المسؤولية الكبرى لذلك".
وأوضح الدكتور محمد عتيق أن "جامعة كرة القدم أخلفت وعدها، عندما قالت قبل انطلاق منافسات البطولة الوطنية إنها ستخصص لجنة مراقبة للكشف عن المنشطات خلال كل مباراة".
ووصف البروفيسور محمد العرصي، الطبيب السابق للرجاء، دور الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بالبطيء، مؤكدا أنه "إلى حدود اليوم، لم يستعمل أي إجراء احترازي يهم بالأساس مراقبة اللاعبين الممارسين بالبطولة الوطنية الأولى للنخبة".
وذكر محمد العرصي أن تكلفة إجراء الاختبارات، التي قد تصل إلى 2000 دولار للعينة الواحدة، يدفع الأندية الوطنية إلى غض الطرف عن هذا الإجراء، وعدم مراقبة اللاعبين، سيما أن المغرب يفتقد إلى مختبر دولي كما هو الشأن في تونس، وجنوب إفريقيا، البلدين الوحيدين اللذين يتوفران على مختبرات كشف المنشطات في القارة الإفريقية.
ولم يخف محمد العرصي، في ختام حديثه، وجود مواد محظورة عدة في الشأن الرياضي الوطني، مثل المعجون، والقنب الهندي "الكيف"، وتناول بعض اللاعبين لأدوية دون استشارة طبيب الفريق.
من جهته، قال عبد الرزاق هيفتي، طبيب المنتخب المغربي والوداد البيضاوي، إن البطولة الوطنية بقسميها الأول والثاني، يوجد بها لاعبون مدمنون على ما يعرف بمخدر المعجون والقرقوبي.
وأضاف هيفتي، في تصريح صحفي سابق "في غياب المراقبة الصارمة للحد من الظاهرة، تظل البطولة الوطنية مرتعا لمستعملي تلك المواد، التي تدخل ضمن المنشطات المحظورة"، موضحا أن "المشكل الكبير، الذي يعيق الممارسة الرياضية الوطنية يتجلى في غياب مختبر وطني يسهل مأمورية الأندية الوطنية لإخضاع عناصرها للكشف المبكر".
وعزا محمد عبور، طبيب بنادي الوداد البيضاوي، أسباب استفحال ظاهرة المنشطات في الكرة المغربية، إلى غياب الإمكانيات المادية، واللوجستيكية، "لا نملك أبسط الأشياء، التي أصبحت ضرورية في العالم الرياضي، ومن بين هذه الأشياء غياب الأجهزة الطبية عند بعض الأندية الوطنية، خصوصا في القسم الوطني الثاني".
وفي جواب عن سؤال حول ما إذا كان المعجون يصنف في خانة المواد المحظورة، أكد عبور أن "المعجون يختلف باختلاف صناعه، بمعنى أن أي شخص يمكنه أن يحضره بطريقته الخاصة، وبمكونات مختلفة، لأن هذه المادة ذات صنع مغربي صرف".
وبخصوص الإجراءات الكفيلة بوضع حد لهذه المعضلة، أوضح محمد عبور "يجب تكثيف الجهود، وتهييء أرضية لمحاربة المنشطات، التي تغلغلت في أعماق الرياضة المغربية، علما أننا لا نتوفر على مختبر لإجراء التحليلات الطبية خاصة بالمنشطات، معترف به دوليا، كما هو الشأن لدى أشقائنا التونسيين على سبيل المثال لا الحصر".